قراءة في اوراق هاني بن ال الجراح الطائي - ح 7

المقاله تحت باب  رواية
في 
03/11/2007 06:00 AM
GMT



الفصل الثامن
نهاية رجال من الوقت الضائع

وصلنا إلى الجابرية وجاء الأهل كبارا وصغارا مرحبين بنا وما أن انفض الجمع وجلسنا نستريح في خيمة الشيخ حتى دخلت الخيمة طفلة صغيرة جميلة الوجه، ترتدي حلة لطيفة وعليها قلائد من الذهب وبيديها الأساور وفي أذنيها الأقراط في الخامسة أو الرابعة من العمر بين عائشة وأمها وهي تمسك بيديهما، وخلفها امرأة عجوز عليها لباس أهل المدينة.
قالت عائشة تقدم الطفلة إلى الشيخ سعد الله:
- انها قريبتنا الجديدة ( مريم ) يا أبي.
فقبلها الشيخ وأجلسها بجواره.
بدت الطفلة وأنا أراها للوهلة الأولى شديدة الشبه بحاجي أغا الانكشاري. فنظرت إلى الشيخ فوجدته ينظر لي مبتسما وكأنه فهم ما أعنيه. ثم سألها الشيخ:
- هل أنت سعيدة هنا يا مريم.
فردت الطفلة وهي تلتصق بعائشة:
- نعم فأنا أصبحت أخت عائشة وهذه أمي وأشارت إلى الشيخة وأنت لست أبي فأنا ابنة حجي أغا وهذا ( هاني ) – وأشارت إلي – وهذه بيبي أمي الثانية – وأشارت إلى العجوز – أما أمي الحقيقية فقد ماتت وأنا صغيرة. فقال لها الشيخ مازحا:
- الحمد لله الذي جعل لك أختا وثلاث أمهات وأبا. وسنجد لك عريسا يليق بمقامك. فقاطعته الطفلة قائلة:
- كلا فأنا صغيرة الآن وسأتزوج بعد زواج أختي الكبيرة.
فقال الشيخ ضاحكا:
- عندما يأتي والدك الأغا فسنخطبك منه لأحد شيوخ العشيرة وسكتت الفتاة وكأن ما قاله الشيخ لم يوافق هواها فاستطرد:
- ان لم يعجبك أحد من شيوخ الصحراء فهذا هاني ابن أخي وهو مثلك من بغداد.
فردت الصغيرة بجد:
- ان هاني لا يفيدني فهو كبير علي.
ضحكنا جميعا من قولها.
ثم قال الشيخ متسائلا:
- ومتى جاءت ( مريم ) إلينا؟
فأجابت الشيخة:
- أحضرها والدها منذ أسبوع وقال أنه سوف يأتي غدا أو بعد غد.
وفي اليوم التالي حضر حجي أغا يقود رعيلا من الفرسان وكانت ( مريم ) سعيدة بحضور والدها وأرادت أن تجري لملاقاته ولكن مربيتها منعتها قائلة:
- ان الفتيات المؤدبات لا يركضن أمام الرجال بل يسلمن عليهم.
رحب به الشيخ فهنأه الأغا بسلامة الوصول وسأله عن بغداد.
فقال له الشيخ:
- ان بغداد دار السلام ولكنها بلا سلام.
ثم جاء وجهاء العشيرة من أعمام الشيخ وأبناء أعمامه وأقرباءه ورجال آخرون للسلام عليه وقد تصدر الشيخ مضيفه وأجلس ضيفه بجانبه بين الضيوف، الذين كان الشيخ قد أرسل في طلبهم قبل سفره إلى بغداد عرفت منهم الدليل عويد ووالده العجوز.
راح الشيخ يتهامس مع ضيفه وهما يرشفان القهوة فقلت في نفسي لعل الشيخ يقص عليه أخبار الصغيرة مريم.
وراح عبد وعبيد ومعهم آخرون يذبحون الجزور والإبل ويوقدون التبيران. وأعدت خيمة خاصة للأغا ليرتاح فيها وقدم الشيخ سعد الله للأغا وثيقة تثبت بأن ( لمريم ) حق الإرث الشرعي في تركة آل شاهد الذي قرأها بإمعان وقال:
- لك شكري الجزيل فقد أتعبت نفسك يا شيخ سعد الله ولا أظن ان ( مريم ) بحاجة إلى شيء منها الآن.
فقال الشيخ وهو ينظر إلى الدليل العجوز أبو عويد باسما:
- ستسمع أمورا تهمك وتهم آل شاهد يا حجي أغا فلا تتعجل في الحكم على ما ستسمع فهل لديك الصبر على تحملها.
فقال الأغا باسما بهدوء الواثق:
- ماذا تدبر لنا يا شيخ سعد الله ولكن تفضل وستجدني من السامعين.
التفت الشيخ سعد الله إلى العجوز ( أبو عويد ) وسأله بين صمت الحاضرين:
- هل تتذكر حادثة مقتل تاجر النحاس البغدادي علي بن شاهد وزوجته عندما نهبت قافلتكم قرب حلب أيام المرحوم والدك وكنتم حراسها وأدلائها.
أجاب أبو عويد بعد أن اعتدل في جلسته بصعوبة فقد كان عجوزا تجاوز الثمانين من العمر.
- أتذكرها جيدا. ولكنها حدثت منذ زمن بعيد جاوز الستين عاما ولكن ما الذي جعلك تذكرها الآن يا شيخ سعد الله.
فقال الشيخ برجاء:
- انكم يا ( أبو عويد ) معروفون بالمروءة وأهل لكل ثقة فهل لك أن تقص علينا هذه الحادثة ففيها حقوق لأناس يهمنا أمرهم.
فقال أبو عويد متذكرا:
- في أيام ولست متأكدا من الاسم وأظنه حافظ باشا والي حلب وكنت آنذاك لا أزال شابا في العشرين من عمري أقود مع أبي قافلة من حلب متجهين بها إلى بغداد وتعرفت فيها على شاب من أهالي بغداد اسمه ( علي بن شاهد ) عرفت أنه من عائلة تعمل في تجارة النحاس وانه يعود إلى بغداد بعد غيبة طويلة ومعه زوجته وطفله الذي كان في الخامسة من العمر وكان الوقت عصرا عندما هاجمت القافلة عصابة، كبيرة من قطاع الطرق ولما كنا مستعدين للدفاع عن القافلة فقد فتحنا عليهم النار وقتلنا بعضا منهم ولكن الكثرة تغلب الشجاعة فقد استطاعوا أن ينهبوا بعض ما تحمله القافلة من أموال وقد قتل بعض المسافرين وهم يدافعون عن أموالهم وبعض أقرباءنا من حراس القافلة وجرح والدي رحمه الله ولكننا تمكنا من طردهم وكان من جملة القتلى ( علي بن شاهد ) وزوجته أما طفله فلم نعثر له على أثر وأذكر أن والده قد وشم ساعده الأيسر بوشم يضعه آل شاهد على تجارتهم مما يصنعونه من أواني النحاس.
فقاطعه الشيخ قائلا:
- وكيف كان ذلك الوشم يا " أبو عويد "؟
قال العجوز شاحذا ذاكرته:
- أظنه وشم على شكل وردة كتب في داخلها اسم ( شاهد ) فقد كان المرحوم ( علي ) يفتخر بهذا الوشم وهو يريني ساعد ابنه الصغير ويقول:
- لو ذهب ابني إلى آخر الدنيا فسيعود لنا فعلامتنا معروفة وكان الصغير يريني الوشم كلما سألته عن اسمه.
قال الشيخ بارتياح وفضول:
- وماذا كان اسمه؟
قال أبو عويد:
- أظن اسمه حجاج.
قال الشيخ ملحفا بالسؤال:
- وماذا حل بالطفل بعد وفاة والديه.
قال أبو عويد وهو يحث ذاكرته:
- لم نعثر له على أثر وقيل ان نخاسا كان في القافلة قد سرقه وهرب مستغلا الليل وانشغالنا بدفن الموتى وترتيب أمورنا بعد المعركة.
وهنا قال الشيخ وهو يتنهد:
- ولكن هل يمكنك التعرف على الوشم إذا رأيته يا أبو عويد.
فأجاب الدليل العجوز:
- أظنني أعرفه لو رأيته.
عند ذلك مد الشيخ يده إلى جانبه ورفع مشربية صغيرة للماء مصنوعة من النحاس وقال ( لأبو عويد ) وهو يشير إلى علامة فيها:
- وهل كان الوشم الذي رأيته يشبه هذا الرسم المنقوش على هذه المشربية. وأشار إلى نقش على المشربية.
قال أبو عويد:
- رغم ضعف بصري فأعتقده هو.
وهنا قال الشيخ مخاطبا حاجي أغا الذي شحب وجهه شحوب الموتى: أتسمح لي يا حاجي أغا بأن ألقي نظرة على الوشم المنقوش على ساعد يدك اليسرى.
كشف الأغا عن ساعده وهو يقول بصوت ضعيف:
- لقد حاولوا إزالته عندما باعوني رقيقا في الشام ثم في بغداد فقد تذكرت الآن أمورا كنت نسيتها منذ أكثر من ستين عاما.
قال أبو عويد وهو ينظر إلى الوشم وإلى المملوك العجوز متأثرا وكأنه ينظر إلى كتاب سطرت فيه آلاما إنسانية قل من يتحملها:
- انك يا ولدي من ( آل شاهد ) فهذا هو نفس الوشم الذي رأيته على ساعدك وأنت طفل صغير وأقسم على ذلك والله شاهد على ما أقول وكأني أرى والدك فيك فأنت أشبه الناس به فأنت حجاج بن علي بن شاهد.
ضج كل من في مضيف الشيخ بالتكبير.
فقال الأغا العجوز مخاطبا الشيخ سعد الله:
- وماذا يفيدني ذلك ولم تعد في العمر بقية للفرح.
فرد الشيخ مسرورا:
- ولكن ذلك ضروري ( لمريم ) فأنت عم والدها والوحيد الباقي لها من أهلها وسيزيدها ذلك حظوة في أعين الناس ولا تنس يا حجي أغا بأن الناس مأمونون على أنسابهم وان الله سبحانه وتعالى قد امتحنك في ذلك.
أما انا فقد كنت سعيدا بما آلت إليه الأمور وصارت الحادثة حديثا يدور في المضيف وقصة غريبة تتناقلها الأفواه وأكدها ضيوف آخرون.
وعندما أفهموا ( مريم ) صلة القرابة الجديدة بينها وبين حاجي أغا قالت ضاحكة:
- لقد كان أبي والآن أصبح جدي حاجي أغا.
وفي المساء كنت والشيخ سعد الله نسمر في خيمة حاجي أغا عندما أعاد الشيخ، قصة مقتل والدي وما سمعناه من كاظم أغا بن علوش أفندي.
فقال الأغا العجوز وقد ظهر الاهتمام على وجهه:
- كنت سأخبركم على أية حال فقد وفقت بالاطلاع على الموضوع برمته وعرفت كافة تفاصيله مثلما قال صديقنا كاظم أغا وقد بعثت بأخباره إلى السراي في بغداد فأرجو أن يبقى الموضوع سرا بيننا حتى يطلع عليه ولاة الأمور فليس من مصلحتنا كشف هذا السر الآن ثم نظر إلي وقال يخاطبني:
- ان والدك رحمه الله قد كسب عداء شخص ضليع في الإجرام هو أغا القلعة السابق ( حسن قره ) ففي أيام الوالي سليمان باشا الصغير رفع والدك دعوى، وعرائض وشكاوى مطالبا بإقامة الدعوى على هذا الشخص فاضحا فيها كل ما كان يفعله من جرائم وألاعيب في سلب التجار ونهب القرية والاعتداء على الناس وقد وعده الوالي بأنه سوف يجري تحقيقا بالأمر. ولكن انشغاله بالحرب مع اسطنبول ومقتله أعطت حسن قره فرصة ثمينة للتخلص من والدك أيام الوالي عبد الله التوتونجي باشا وحالت دون اتخاذ أي شيء ضده رغم علم الجميع بجرائمه حتى جاءت واقعة سوق القرية والمرأة العجوز وثورة الأعراب عليه والتي جعلت داود باشا يكتشف كافة جرائمه الدنيئة وأصر على تقديمه إلى المحاكمة وصادر أمواله وقبض على بعض أعوانه – خلافا لما هو معروف من ان الانكشاري لا يجوز محاكمته إلا من قبل آمره الانكشاري – فهرب إلى اسطنبول مع أمواله ومنهوباته ومعه مراسله العريف خالد الذي كان ضالعا في الجرائم معه وأداة من أدواته مثل شاكر والعزيز وغيرهم.
وفي اسطنبول استطاع بواسطة الهدايا والرشاوى والأساليب اللاأخلاقية الأخرى أن يثير نقمة بعض رجال الباب العالي ضد داود باشا مدعيا بأنه لم يكن صادق النية في القضاء على الانكشارية – علما بأنه منهم – أو في تنفيذ أوامر السلطان مسربا لهم الأخبار والتقارير المشحونة بالدسائس التي يبعثها له أعوانه من ( الخفية ) والجواسيس الانكشارية السابقين الذين يزيفون له كل الأخبار التي تسيء إلى داود باشا وخاصة جماعته التي كان يعمل معها في انكشارية المدينة قبل أن تلغى ويطبق عليها النظام الجديد. ومن جملة التهم التي يروجها ضد ادود باشا حاليا أنه لم يقدم ما يجب عليه تقديمه من الأموال إلى الدولة العلية في حربها مع اليونان والمسقوف الروس ولم يسند سيده السلطان بالغالي والنفيس وكان قد طلب منه السلطان ستة آلاف كيس من النقود الذهبية وهو مبلغ جسيم لم يكن بإمكان داود باشا تدبيره فاعتبرت أسطنبول تلكؤه بمثابة إعلان العصيان على الدولة في مثل هذه الظروف وقد ساعده على ذلك وجود الكثيرين ممن يكرهونه مما أثار سخط السلطان عليه وأعتقد ان هذا الكلب العقور سوف يسيء إليه.
قال الشيخ سعد الله متسائلا:
- وما العمل يا حجي أغا؟
فقال المملوك العجوز بدراية:
- ان الأمور قد تأزمت على ما يبدو بين الباب العالي وبغداد وفيما نحن منشغلون بالحديث دخلت علينا ( مريم ) في أبهى حللها وحليها لتسلم علينا وترينا زينتها.
فقال لها والدها الأغا:
- كيف حالك هنا يا ( مريم ) وهل ترغبين بالعودة معي إلى القلعة.
قالت الصغيرة باحتجاج:
- كلا فهنا أختي عائشة لا عمل لها سوى تزييني وتمشيط شعري وتعليمي القراءة والكتابة وقراءة القرآن مع أمي الشيخة وأمي بيبي. بان على الأغا التعجب مما سمع وجعل يتمتم بشكل خافت:
- ما شاء الله …… ما شاء الله.
فقال الشيخ سعد الله معلقا:
- اصبر عليها معنا قليلا وستراها قد أصبحت شيخة من المشايخ. وراحت تتحدث وهي تسير في الخيمة مبدية رأيها في كل ما تراه حتى سمعنا صوت مربيتها العجوز تدعوها فخرجت إليها.
فقال حاجي أغا الانكشاري بحنان ظاهر:
- انها سعيدة هنا يا شيخ سعد الله فكم أنا ممتن لكم.
فأجاب الشيخ بتواضع ورجاء:
- ان كانت لي كرامة عندكم فلا تعيد ذكر هذا القول ثانية.
فقال الأغا معقبا وهو يخاطبني مازحا:
- ان الآتي سوف لن يكون أسوأ مما مضى.
فقال الشيخ وهو يشير إلي:
- سوف نحج هذا العام سوية وسيشرفنا لو جئت معنا إلى بيت الله الحرام.
فقلت وقد غلبني السرور وأنا أخاطب الأغا:
- انها فرصة طيبة لنا جميعا وأتمنى أن تكون معنا.
فقال الأغا العجوز:
- ان للظروف أحكاما وأن أملي كبير أن أزور بيت الله ثانية.
وفي اليوم التالي غادرنا الأغا إلى قلعته وخلال أسابيع قليلة غادرنا العشيرة إلى الحجاز في سفرة ميمونة وفد حج معنا مئات من حجاج العشيرة وعدنا في نهاية العام وكان في استقبالنا مريم التي بدت سعيدة بنا. وفي لقاءنا مع حاجي أغا الذي جاء لتهنئتنا بالعودة إلى الديار قدم له الشيخ سعد الله ( نرجيلة ) ثمينة هدية له من الحج فتقبلها شاكرا وقام بدوره فقدم للشيخ غدارة صغيرة حديثة الصنع – ابتهج بها الشيخ كثيرا فقد كان مغرما بالأسلحة الحديثة – كما دفع له كيسا من النقود فيه عشرة آلاف قرش هدية من داود باشا وإعرابا عن رضاه.
فقال الشيخ سعد الله لحاجي أغا الانكشاري:
- ان بركاتك بدأت تهل علينا يا حاجي أغا فقد كنا من المنبوذين.
فرد الأغا العجوز قائلا:
- ان داود باشا في حاجة إلى رجال مثلك يا شيخ سعد الله فالأيام القادمة ستكون شديدة الوطء عليه ولكنه سيتغلب عليها وقد حدثت داود باشا عنك عندما زرت بغداد وانتم في الحج وقد قال لي: بأنه يتذكرك عندما كان يلقي دروسه على الطلبة في جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني وأنت تحضرها.
ضحك الشيخ سعد الله وهو يتذكر تلك الأيام فيما استطرد الأغا قائلا:
لقد تم الاتفاق معه ان تكون أنت رجلنا في هذه الديار وسيتم تهديم القلعة الخربة فقد صارت عبئا علينا ولم تعد لنا حاجة بها وسأعود بعدها إلى بغداد ولكن ليس الآن كما فهمت.
فقال الشيخ مستبشرا:
- لست ادري أأهنئنك أم أهنئ نفسي.
فقلت وقد أسعدتني هذه الأخبار:
- أما أنا فسأعود إلى جامع السراي معلما فيه عند بداية العام الجديد.
فقال الأغا العجوز وكأنه يتذكر أمرا نسيه:
- ان هناك جائزة مالية للقبض على ( حسن قره ) حيا أو ميتا.
قلت متعجبا:
- وهل ذلك بسببي؟
فرد الأغا ضاحكا:
- كلا يا ولدي بل لأنه ازداد تشنيعا على داود باشا في اسطنبول بعد ان دخلت روسيا الحرب ضد الدولة العثمانية تأييدا لثورة اليونان وقد نادى السلطان بالنفير العام وطلب من كل والي من ولاته ان يقدم ما يستطيع تقديمه للصرف على متطلبات الحرب وان تلكؤ داود باشا في تقديم مبلغ ستة آلاف كيس من الذهب قيمة الكيس الواحد عشرة آلاف قرش كما أخبرتكم فسر بأنه قد تخلى عن سيده السلطان في أحرج المواقف وانه أساء إلى هيبته وان حسن قره يذكره بالسوء في كل مناسبة وقد صدقه الكثيرون.
فقلت له وقد طمأنت نفسي:
- هل تسمح لي بتوديعك قبل ان أعود إلى بغداد.
فقال الأغا:
- ربما عدنا سوية.
فرد الشيخ باسما:
- وتتركاني لوحدي وقد قالت الحكماء عند الشدائد تعرف الاخوان.
ثم اردف جادا:
- سوف ألتقيكم في بغداد عندما اذهب بهدية مناسبة إلى داود باشا لاشكره على ثقته وعلى هديته.
عم السرور الجميع مضاعفا بالهدية التي قدمت إلى الشيخ سعد الله والى الثقة التي حظى بها والى التخلص من بقايا القلعة المهدمة التي أساء انكشاريتها إلى الجميع.
************
وأخيرا عدت إلى بغداد ورحت اشغل وقتي بممارستي عملي في جامع السراي وفي كتابة ما أستطيع كتابته أو في زيارة عبد الوهاب أغا الجراح أو حميد بن عبد القادر بك أو كاظم أغا لقد مر الزمن علي لا مرئيا فقد مرت ثمان سنوات منذ ان خرجت من بغداد وها أنا أعود إليها وحيدا كما خرجت إلا من الذكريات وقد تجاوز عمري الخمسة والعشرين عاما وأطلقت شاربي وحلقت لحيتي وأصبحت أفنديا. وفي العام التالي زارنا الشيخ سعد الله ومعه عبد وعبيد وهدية مناسبة هي إحدى خيوله الأصيلة إلى داود باشا الذي تقبلها شاكرا وفرسا أخرى إلى الحاج طالب أغا الكهية.
ولما سألته عن سبب تقديمه مثل هذه الهدية إلى الكهية قال باسما:
- ان الكهية منصب كبير يلي منصب الوالي فهو معاونه ومنفذ أوامره وقائد قواته وأنا معجب بأخلاقه العالية.
وجاءت معه أخبار سارة أخرى كزفاف عائشة ابنته إلى أحد أبناء عمومتها والخير الكثير الذي عم البادية هذا العام وترميم دارنا في القرية وزيادة ما املكه من الحيوانات من ارث أبي وأخبارا أخرى من هذا القبيل وبقي الشيخ سعد الله طيلة العام في بغداد قبل ان يغادرنا وهو يقول:
- بعد ان يتجاوز المرء الستين عاما من عمره يحتاج إلى قوة استثنائية ليبدأ من جديد.
وفي العام التالي نقل حاجي أغا إلى بغداد وصادف مجيئه مجيء مبعوث السلطان صادق أفندي الذي خوله مسؤولية القضاء على داود باشا. إلا انه لم يكن أهلا لمثل هذه المهمة لسلوكه معه منذ البداية مسلك التعجرف والاستهانة ولم يحسب حسابا لما يتمتع به داود باشا من الدهاء والقوة وكثرة المريدين والأعوان المخلصين فلما أحس بأن هذا المبعوث لا يتردد في قتله أرسل له من قتله وأشاع بين الناس بأنه أصيب ( بمرض كوليرا الهواء الأصفر ) وان الأطباء مهتمون بعلاجه ولكن هذه الحيلة لم تنطل على اسطنبول فأوعز السلطان إلى ( علي رضا باشا ) والي حلب بقيادة، حملة عسكرية ضد داود باشا وقد تحرك هذا الجيش في بداية الشتاء وما أن وصلت الأخبار إلى بغداد حتى داهمها طاعون رهيب قلب الخطط العسكرية التي وضعت للدفاع عنها وجعلتها ريشة في مهب الريح.
وفي الزيارة التي قمنا بها مع عبد الوهاب أغا الجراح وعبد القادر بك البياتي وابنه حميد وجماعة من آل الجراح إلى حاجي أغا الانكشاري في داره في ( تبة الكاوور ) المجاورة لدورنا لتكون ( مريم ) تحت رعاية ( رحمة ) التي صار عندها أربعة أطفال صغار. قال عبد الوهاب أغا الجراح مخاطبا حاجي أغا:
- لقد ظهرت أولى إصابات الطاعون في حارة فرج الله القذرة حيث يسكن اليهود ثم انتشرت إلى محلاتهم الأخرى في ( أبو دودو، والعوينة ) قبل أن تنتشر في محلات بغداد الأخرى وقد بلغت عدد الجنائز في آذار الماضي ألف جنازة يوميا ويقال ونحن في وسط نيسان قد أصبح معدل الجنائز ثلاث آلاف جنازة يوميا.
فقال حاجي أغا معلقا:
- ان داود باشا لم يستطع أن يتخذ أية إجراءات لمقاومة هذا الداء بسبب فتوى رجال الدين الذين أفتوا بأن الحجر الصحي مخالف للشريعة الإسلامية ومنعوا داود باشا من اتخاذ أية إجراءات لصد سير هذا الوباء ولهذا فالقوافل القادمة من إيران وكردستان تدخل إلى بغداد وهي تحمل المرض بكل حرية ولذا فلن نتمكن من وقف هذا الداء اللعين.
فقال عبد القادر البياتي مخاطبا حاجي أغا:
- ان أعداد الموتى تتزايد كل يوم حتى خلت شوارع بغداد من الحياة وفي طريقنا إليكم لم نشاهد إلا حملة الجثث والأشخاص المصابين ومخلفات الموتى الملقاة بالقرب من الأبواب ولم يعد بالإمكان دفن الجثث حسب المراسيم المعتادة فهي تجمع وتنقل على ظهور الحمير لتدفن في حفرة من الحفر وان الناس يتساقطون في الطرقات كما سمعنا. " وطافت في ذهن حاجي أغا الانكشاري كيف وجد ( مريم ) وصورة والدتها وآلاف الموتى ضحايا الطاعون السابق أو صورة الكلاب وهي تنهش الجثث فتختلط زمجرتها بصراخ الأطفال الذين مات عنهم أهاليهم ". وانتبه على صوت عبد الوهاب أغا وهو يقول:
- أعتقد ان هذا الطاعون هو أشد كل الأوبئة التي أصابتنا.
فقال حميد معقبا على كلامه:
- ان الذي زاد الطين بلة – كما يقولون – شدة مياه الفيضان التي اندفعت إلى المدينة خلال الساعات الأولى صباح اليوم فقد انغمر القسم الأسفل من المدينة تحت سطح الماء وسقطت سبعة آلاف دار مرة واحدة دفنت الأموات والمرضى والأحياء في قبر مشترك رهيب: أما نحن فسنبقى تحت رعاية عمي الحكيم عبد الوهاب أغا.
فقال عبد القادر بك:
- سيكون الحصول على لقمة العيش مشكلة يعاني منها سكان بغداد فقد انقطعت الطرق وسيتعذر وصول الطعام إلى الأسواق وقد هرب أغلب السكان القادرين إلى خارج المدينة. وقبل أن نخرج إلى خارج الدار وتذهب مريم ومربيتها إلى دار رحمة. قال حاجي أغا وهو يودعنا:
- ان داود باشا قد أصابه الطاعون ولكنه لا يزال يشرف على شؤون الحكومة رغم سوء حالته الصحية وان اللصوص ينهبون الدور الخالية التي مات أصحابها. فودعناه وانصرفنا مسرعين في وسط جو من الرهبة والخوف. وفي اليوم التالي جاءني الفرج بحضور كاظم أغا ليأخذني مع عائلته إلى مزرعتهم في الصليخ شمال بغداد، وشاهدنا في طريقنا جثث الموتى التي لم يجرفها الفيضان لا تزال في الطرقات والبيوت وقد بلغ تعفن الهواء حدا لا يطاق ورأينا جنودا عينهم داود باشا لإخلاء الجثث وجعل لهم مقدارا من المال عن كل جثة. فألقوا بآلاف الجثث في نهر دجلة وقد استخدم الجنود الحيوانات السائبة التي مات أصحابها في نقل الجثث إلى النهر وهي مربوطة بذيولها.
بقينا في المزرعة بضعة أسابيع حتى زارنا نفر من أصدقاءنا من أبناء المحلة وقالوا:
- لقد خف الوباء ولكن طلائع الجيش السلطاني قد وصلت إلى بساتين الكاظمية على بعد أميال قليلة عن بغداد بقيادة قاسم باشا العمري ومعهم شيوخ القبائل الموالية لهم وانه راح يبعث الرسائل محرضا علماء بغداد ورجالها على طرد الوالي المعزول داود باشا وإطاعة أمر السلطان خليفة المسلمين وقام أعداء الوالي ودعاة السلطان، المنتشرون بين السكان يبثون الإشاعات والأراجيف الزائفة ليثبطوا عزيمتنا عن المقاومة وان داود باشا عازم على الاستسلام.
فقال كاظم أغا وقد بدا مهتما كالنمر الغاضب:
- ان كان داود باشا عازم على تسليم بغداد بغير قتال فهذا هو شأنه. أما نحن أهالي بغداد فلن نسلمها إلا على رقابنا وسنعود إلى المقاومة كما قاومنا داود باشا من قبل أم نسيتم أفعال الرجال.
فقلت ضاحكا متعمدا تغيير مجرى الحديث فقد أخذت كاظم أغا حالة غضب شديدة:
- كيف ننسى ولا تزال يداي مبتلة بماء دجلة وأنا أعبر النهر بعدما استولينا على الطابية ومدافعها وهزمنا جنودها ولو كانت لدينا خيول في ذلك الوقت لكان لنا شأنا آخر معهم فربما كنا قد استولينا على سراويلهم أيضا وليس مدافعهم فقط.
ضج المجلس بالضحك والكل يتذكر تلك المغامرة التي قادها كاظم أغا فقد كان الزوار هم نفس الزجال الصناديد الذين أصروا على فتح باب السور وخرجوا لمقاتلة القوات، الغازية أيام الوالي سعيد باشا قبل أثنى عشر عاما وبدا لي كأن التاريخ يعيد نفسه. سئل كاظم أغا زواره بعد أن استعاد هدوءه:
- هل عرفتم الأشخاص الذين يقومون ببث الأراجيف والشائعات من أعوان علي رضا باشا.
قال أحد الأصدقاء:
- حدثني أحد ( الخفية ) من محلتنا بأن الأشخاص الذين يديرون مثل هذه الأمور عديدون ولكن هناك شخصا مهما منهم كان ( سر خفيه ) في انكشارية المدينة ثم صار مسؤولا عن إحدى القلاع اسمه ( حسن قره الخصي ) وقد عاد مع جيش السلطان إلى بغداد بعد أن هرب من داود باشا.
فقال كاظم أغا متسائلا:
- ولكن ما هو موقف داود باشا من هؤلاء.
قال الصديق:
- ان داود باشا لا يزال يعاني من آثار الطاعون الذي أصيب به وقد تخلى عنه معظم رجاله ولم يبق معه إلا عدد قليل لا يتجاوز الخمسين شخصا وقد خرجت مظاهرات معادية له مساء أمس من محلة باب الشيخ يتقدمها رؤساء المحلة فأحاطوا بالسراي وأشعلوا أحد أبوابه بالنار إلا انهم تفرقوا بعد أن أطلق أحد عبيد داود باشا عدة اطلاقات في الهواء وقيل ان الهدف من هذه المظاهرة لتنبيه داود باشا بأنه قد عزل من الولاية.
قال كاظم أغا متسائلا:
- وهل الأمر خطير؟ والى أي درجة تصل خطورته؟
قال الصديق:
- لقد تأكدت هذا اليوم بأن وفدا من الأعيان والعلماء قد أخذوا داود باشا بكل احترام وذهبوا به إلى دار صالح بك ابن سليمان باشا الكبير ليكون وديعة لديه حتى يجري تسليمه إلى الوالي الجديد عند قدومه وان أهل بغداد قد استقبلوا قاسم باشا العمري بمختلف طبقاتهم وأدخلوه السراي وقد أرسل إلى الوالي علي رضا باشا في الموصل يدعوه للمجيء فقد أصبحت بغداد في قبضة يده.
قال كاظم وقد احمرت عيناه من الغضب مازحا:
- نعم … نعم ستصبح بغداد شوكة قاتلة قبل أن تكون في قبضة يده.
ثم نادى على خدمه وأمرهم بالتهيؤ للعودة إلى بغداد أما الزوار فقد راحوا، يستمتعون بما قدم لهم من إفطار شهي ورجاهم أن يذهبوا في طريق عودتهم إلى أشخاص سماهم بأسمائهم طالبا من الجميع الحضور إلى داره للعشاء.
وهكذا ودعنا العجوز علوش أفندي الذي جلس حزينا لا يدري سبب السفر العاجل الذي جعل ولده يعود إلى بغداد بعد أن توسل إليه أن يبقى حفيديه وأمهما معه إلا ان كاظم أغا اعتذر لوالده بكل أدب.
وانطلقنا إلى بغداد مجتازين الأعظمية ثم باب المعظم حتى وصلنا وقد قارب المساء إلى محلتنا ( عيفان الفضل ) وكان الخدم قد وصلوا قبلنا وأعدوا ما طلب منهم للوليمة المفاجئة التي أولمها كاظم أغا لأصحابه ومعارفه المهمين عرفت منهم حاجي أغا الانكشاري وأصدقاءنا في محلة عيفان الفضل والمحلات القريبة منها وبعض شيوخ العشائر ورجال من المماليك وانكشارية سابقين ورؤساء المحلات ورجال الدين والأشراف والأعيان.
وفي اليوم التالي الثالث عشر من حزيران عندما كان قاسم باشا العمري ينتظر تسليم، داود باشا ومعه ثلاث آلاف من رجال العشائر الموالية له.
هوجم السراي من قبل جماهير غفيرة من الأهالي والمماليك ورجال من عشائر بغداد وهي تحيط به إحاطة السوار بالمعصم وعلى رأسها محمود أفندي النقيب وكاظم أغا ابن علوش أفندي واستطاعت الجماهير أن تستولي على أحد مخازن السلاح وأخذت تمطر السراي بالقنابل والرصاص فما كان من رجال القبائل داخل السراي بعد أن أحسوا بقوة الجماهير المهاجمة إلا أن سرقوا خزينة السراي وأشعلوا النار فيه وعبروا دجلة سباحة إلى الكرخ ودخلت الجماهير السراي ناهبة مدمرة ولم تترك شيئا من النفائس التي يعتز داود باشا باقتنائها. وشوهدت الكثير من النقود وأدوات الذهب والفضة مطروحة في الأزقة بعد أن سقطت من أيدي الناهبين فيتهافت عليها الغوغاء متكالبين.
وفي هذا الجو المفعم بالاضطراب لم يعرف مصير قاسم باشا العمري وقد تخلى عنه حرسه الخاص وقيل أن أحمد أغا التفنكجي باشي ألقاه في أحد آبار السراي. ولأول مرة في تاريخ بغداد يقف أهالي المحلات البغدادية متفقين صفا واحدا لا اختلاف بينهم على مقاتلة السلطان والانفصال عن دولته وهم الذين كانوا مختلفين دائما فيما بينهم.
وفي نهاية تموز اجتمعنا في دار كاظم أغا فقال حاجي أغا الانكشاري:
- ان الأعيان والعلماء يكتبون العرائض إلى السلطان يرجون منه إعادة إسناد الولاية إلى داود باشا أو صالح بك ابن سليمان الكبير ويعلنون استعدادهم لدفع مبلغ كبير إليه وزيادة الجزية السنوية من ألف كيس إلى عشرة آلاف كيس.
فرد كاظم أغا مخاطبا المجتمعين:
- ان علي رضا يحث قواته نحو بغداد وقد عسكرت طلائعها في بساتين الصليخ ومنها بستاننا وبساتين أخرى ولكننا سنذيقهم الويل والدمار.
قال حاجي أغا الانكشاري:
- سنقاتل على مستويين أحدهما نظامي بقيادة المسيو ديفو الفرنساوي ومن معه من قواد داود باشا والمماليك أما المستوى الآخر فأهلي لا يخضع لقيادة عسكرية أو تنظيم بل يمثل المتطوعين من سكان المحلات الذين يقودهم رؤساءهم وشجعان المغاوير والفدائيين وأهل النجدة.
وفيما كنا جالسين جاء من يقول: ان داود باشا بالباب … فخف إليه الجالسون واستقبلوه بترحاب كبير فدخل داود باشا وسيما مهابا في الخمسين من العمر يصحبه شخص فارع الطول نحيف القوام في الستين من العمر أسمر البشرة من جراء تعرضه للشمس طويلا وله شاربان كثيفان أبيضان وحاجبان كثيفان مرتديا بزة عسكرية تدل على أنه عسكري فرنسي فأزرارها مزينة بالتاج الإمبراطوري وبالحروف الأولى من اسم ( نابليون بون برته ) ويتدلى من أحد أزرارها وسام صليب لويس المحبوب وتدل سراويله التركية الواسعة على المسلك العسكري التركي الذي يخدم به الآن وتعلو رأسه قبعة صغيرة تميل نحو أذنه اليسرى.
فسألت شخصا بجواري عن هذا الشخص فأجاب:
- انه المسيو ديفو الفرنساوي الذي يدرب جيش بغداد ويعمل على تمرينه على الأسلحة الحديثة والتعبئة والتنظيم وقد ساعد داود باشا عند شراءه لمصنع البنادق وجلب الفنيين لإدارته مع مصنع المنسوجات الخاص بحاجات الجيش.
وبعد أن جلس قليلا استأذن الباشا في الانصراف وهو يقول:
- لقد كنت في طريقي إلى محلة باب الشيخ ولكنني أحببت أن أراكم وأسلم عليكم. كانت لكلمات المجاملة التي قالها فعل السحر في النفوس فضج المجتمعون بالدعاء له بالنصر على الأعداء، وخرج محاطا بالإجلال. استمرت المناوشات طيلة شهر آب وكانت غاراتنا بقيادة كاظم أغا تستهدف حرق خيام العدو وخطف دورياته وتدمير طابيات مدفعيته القريبة من باب المعظم إلى الباب الوسطاني وباب الطلسم تنتهي غالبا بالرجوع سالمين غانمين لمعرفتنا بالمنطقة جيدا وكان حاجي أغا الانكشاري يسمي غاراتنا ( نيران إزعاج العدو ) وكثيرا ما كان يبدي إرشاداته إلينا ثم أخذت الأمور بعد ذلك تسوء وابتدأت أسعار المواد الغذائية بالارتفاع ولم يعد الصمود ممكنا واشتدت حالة الحصار وأصبحت الحالة داخل بغداد لا تطاق فشح الطعام شحة بالغة وصارت المنهوبات تعرض للبيع علنا وراح دعاة علي رضا باشا المنتشرين بين السكان يثبطون العزائم عن المقاومة ويدعونهم إلى طاعة السلطان وأخذت عمليات الاغتيال تزداد بين الأشخاص المناوئين للسلطان.
وفي صباح أول أيام أيلول وكنا عائدين من إحدى غاراتنا الليلية يتقدمنا كاظم أغا على حصان استولى عليه أثناء الغارة عندما انطلقت رصاصتان من داخل السور باتجاهنا ونحن على وشك أن ندخل باب السور المسماة باب المعظم فاعتقدنا أول الأمر بأنها تحية من الجماهير المجتمعة عند باب السور لملاقاتنا إلا ان سقوط كاظم أغا المفاجئ من الحصان أثار دهشتنا فقد أصابت إحدى الرصاصات قلبه ففارق الحياة على أثرها قبل أن نصل به إلى دار الحكيم عبد الوهاب أغا الجراح.
وثار شجعان محلة ( عيفان الفضل ) لمقتل بطلهم بعد أن أشيع بأن من اغتاله شخص من ( خفية علي رضا باشا ).
وفي المساء شيعت بغداد جثمان الشهيد كاظم أغا بن علوش أفندي يتقدم نعشه الأعيان ورجال الدين وحملة الرايات والدفوف بين زغاريد النساء فقد عاد منتصرا من مغامرته التي يتناقل أخبارها أهالي بغداد في مقاهيهم ومجالسهم بالإعجاب:
- فهو قوى والقوة رأس المفاخر في المجتمع البغدادي – كنا نسير به وعلى طول الطريق تتعالى زغاريد النساء تحيي نعشه المحمول على الأكتاف عندما يمر بهن كما كن يزغردن له دائما وهو يندفع للقتال وسيما متحمسا يقود أبطاله الأشاوس من شجعان المحلات ومغاويرها. وسارت نساء محلة ( عيفان الفضل ) باكيات حاسرات خلف المشيعين وهن يهتفن به أن ينهض لنجدتهن ويغنين له بلهجتهن البغدادية:
يا أهل الزود قوموا ثارت الطلقاتوبدمـك يـا كاظـم نكتـب الثـارات
وفي صباح اليوم التالي شوهدت سيدة تركستانية ومعها صبيان تجاوزا العاشرة من العمر وخدمها الثلاث يخرجون من أسوار بغداد متجهين إلى قلب آسيا حيث تقع جبال ( تيان شان العظيمة ) وسهوب القرغيز فلم يعد لها من أحد في بغداد بعد أن سقط العجوز علوش أفندي على قبر ابنه ميتا وهم يهيلون التراب عليه.
وفي منتصف أيلول قامت جماعة بفتح باب السور الجنوبية وسمحوا للجيش السلطاني بالدخول وبذلك تم احتلال بغداد وتولى (علي رضا باشا ) إدارة الولاية فاتحا عهدا جديدا من العودة إلى طاعة الدولة العثمانية بخلاف ما كان عليه العهد السابق عندما كان العراق شبه منفصل عنها.
ولم يتحقق الحلم الذي راود الجماهير البغدادية في أن ينالوا الاستقلال عن الدولة العثمانية وأن يؤسسوا دولتهم ولم يكن مهما عندهم من سيحكمها وأن كان المرشح هو داود باشا لكونه قد عرف قبل غيره طبيعة المجتمع العراقي وكيف يسوس الناس فيه وأعد جيشا مدربا لا يستهان به لولا معاكسة الأقدار له.
جلس علي رضا باشا على كرسي ولاية بغداد بدينا في الخمسين من العمر يعتمر طربوشا على رأسه ويبدو عليه الشيء الكثير من سحنة التتر بملامح مليحة ورغم أخلاقه الحميدة فقد كان حاكما فاشلا خطته الوحيدة أن يؤلب العشائر بعضها على بعض وكان سمنه المفرط وكسله يمنعانه من إجهاد نفسه في العمل فكان مضطرا للخضوع إلى أسوأ المستشارين.
وكانت بغداد قد فقدت الجزء الأكبر من سكانها نتيجة الطاعون والفيضان الذي أعقبه وانخفض سكانها إلى الثلث فلم يعودوا يتجاوزون الخمسين ألفا ومات بالطاعون معظم التجار والصناع وأرباب الحرف واندثرت بعض الصناعات التي اشتهرت بها بغداد إذ لم يبق أحد من أصحابها.
وقضى الفيضان على ثلثي أبنيتها في الرصافة وأخذت الأبنية القائمة المتبقية تظهر فيها الشقوق الكبيرة والحوائط المائلة نتيجة تأثر أسسها بالماء. أما الكرخ فقد كان أكثر تهدما وخرابا وظهر سور المدينة في كلا الجانبين مهدما ومتداعيا تظهر فيه الثغرات الهائلة التي نفذ منها ماء الفيضان.
وإتماما لهذا الجو المأساوي الحزين للمدينة المنكوبة أوعز السلطان محمود الثاني إلى الوالي علي رضا باشا بالقيام بمذبحة للقضاء على المماليك على غرار المذبحة التي قام هو بها عندما تخلص من انكشاريته فقام علي رضا باشا بوضع خطة متقنة لتنفيذ أمر سيده السلطان، فهو ومنذ دخوله إلى بغداد وهو يتظاهر بالرضا عنهم وولى بعضهم مناصب عالية واتخذ أسلوب المصالحة مع الجميع ولكنه كان يتحين الفرص للغدر بهم وذات يوم دعي المماليك وعلماء بغداد وأعيانها إلى ديوان الباشا بحجة الاستماع إلى قراءة الفرمان الذي وصل من اسطنبول وكان السراي قد امتلأت أروقته وسطوحه بالجنود. وبعد أن تناول المدعوون القهوة ودخنوا الجبوق وبينما كان الفرمان على وشك أن يقرأ قام رجل يدعى ( علي أغا ) وأهاب بالجنود الألبان الذين كانوا مستعدين بأن يقتل كل واحد منهم من كان بجانبه من المماليك ولما تردد هؤلاء في القيام بما طلب منهم صرخ بهم علي أغا:
- ما بالكم؟ ولماذا تترددون؟ اضربوا فأما أن تقتلوهم أو تقتلون أنتم.
ثم انتضى سيفه وأهوى على المملوك الذي كان بجانبه وقبل أن يتمكن المماليك من الدفاع عن أنفسهم قضي عليهم جميعا وكان بين القتلى صالح بك بن سليمان باشا الكبير وأشخاصا انشقوا عن جماعاتهم وانضموا إلى علي رضا باشا قبل دخوله بغداد فلم يشفع ذلك لهم وصدرت الأوامر بعد ذلك بقتل المماليك أينما وجدوا واستصفاء أموالهم.
وجرى مقتل حاجي أغا الانكشاري الذي لم يستطع حضور المذبحة بسبب طارئ ألم، بابنته وما أن خرج من داره حتى أسرع إليه جمع من الجنود بينما كان راكبا حصانه قرب ( تبة الكرد ) القريبة من داره في ( تبة الكاوور ) يقودهم، ( سر خفيه حسن قره ) وانهالوا عليه ضربا وطعنا فنطق بعبارة ( آمنت بالله ) وبالشهادتين وخر على الأرض صريعا فتقدموا منه وحزوا رأسه وتركوا جثته عارية عند رأس الزقاق لا يسترها شيء. وخرجت فتاة في الرابعة عشر من العمر كالمجنونة من إحدى الدور وتشبثت بالجثة العارية وراحت تنادي:
- أنهض يأبي .... أنهضي يا أمي ..إنهض أيها العجوز العزيز .. إنهض أيها الجندي الكسول. إلى ان جاءت رحمة ابنة عبد الوهاب أغا الجراح فحملت الصبية إلى دارهم وهما يبكيان. وما ان رآها الحكيم عبد الوهاب أغا الجراح وهى تغرق بالبكاء بشكل هستيري شديد وتنادي على والدها وقد تلوثت بدمائه حتى دمعت عيناه المتعبتان رحمه بها وهو يقول مخاطبا مربيتها العجوز التي ارتمت على الأرض بدون حراك.
- ومن أنا حتى أقف أمام إرادة الخالق. لقد انكسرت نفسها وتحطم قلبها من الداخل فلم يعد ينفعها دواء الأرض إذا لم تنقطع عن البكاء.
واستمرت الصبية تبكي أباها بلا انقطاع رغم ما أعطيت من العقاقير والمهدات حتى مساء اليوم التالي حيث فارقت الحياة ودفنت بجانب عم والدها أو والدها بالتبني ( حجاج بن علي بن شاهد البغدادي) الملقب بحاجي أغا الانكشاري قائد الحرس.
وزفت إلى الوالي علي رضا باشا فتاه كرجية حسناء من بنات المماليك اسمها سلمى خاتون، وبكل احترام وتوقير سافر داود باشا إلى اسطنبول لمواجهة السلطان حيث حضي بالحظوة لديه فأسند له بعض المناصب العالية مع انه رأس البلاء. وكذلك نال حسن قره عطف السلطان بما قام به فأنعم عليه بالخلع والإكرام وأعطاه رتبة الشجاعة ومنصبا مهما في نظارة الداخلية.
زارني عبد الوهاب أغا وهو يعودني في داري وقد أثقلني المرض والحزن على من أحبهم فقال وهو يتفحصني:
- ضربتان في الرأس مرة واحدة تؤلم ولكن لنا فى رسول الله ( ) أسوة حسنة وأنت تؤمن بقضاء الله وبقدره.
قلت وقد زادني المرض تصميما:
- سوف لن أبقى في بغداد عندما تتحسن صحتي فمن الأوفق لي أن أذهب إلى قريتي فلعل الله يأخذ بيدي ويرحمني هناك.
فأجاب الحكيم عبد الوهاب أغا الجراح:
- حسنا ما تفعل وإذا عزمت فتوكل وبعد شهر كنت فى طريقي إلى (أرضمه ) مبتعدا عن بغداد ومآسيها وهناك سمعت بالمصاب الجلل فقد نكبنا بوفاة الشيخ سعد الله الطائي فجأة وبلا سبب وفى الجابرية وردت سائر العرب ونساءها فى عزاه فكانت المرأة تلطخ وجهها بالدبس وبالرماد، حزنا عليه وقد أولمت الولائم الكبيرة للضيوف فقد كان الشيخ كريما فى مماته كما كان كريما في حياته وهل أنسى وقد وهبني الله حياة ثانية بفضل رعايته وكرمه.
وخلال الأيام التي قضيتها معهم قص علي عبيد قصة وفاة الشيخ المفاجئة فقال:
- كان الشيخ قد صلى الظهر واضطجع في خيمته للقيلولة وبعد قليل سمعت أناة انبعثت من خيمته وعندما دخلت لا تفقده وجدته قد فارق الحياة. قال ذلك وانحدرت دمعة كبيرة من عينيه ثم أردف:
- عاش حكيما ومات حكيما وكأنه يعضنا بموته ( أبلغ الكلام الصمت ).
وما ان الحد الشيخ في لحده حتى بدأت المنازعات على الامرة بين أبناء عمومته من أمراء العشيرة وأستقل كل منهم بعربة وكذلك فعل زوج ابنته. فأتجه قسم منهم فعبروا الفرات إلى الجزيرة الفراتية. وجد القسم الاكبر منهم في السير ليعبروا دجلة متجهين إلى صحراء الخالص حيث أبناء عمومتهم. وأندفع اخرون فعبروا نهر الخابور متجهين نحو الشمال وبلاد الشام. اما عبد الله فقد ذهب بفرس أصيل إلى اسطنبول هدية من الشيخ إلى حفيد السيدة انجى هانم ولم يعد بعد.
أما أنا فلم تعد تهمني مثل هذه الأمور كثيرا فعقدت عزمي واتخذت طريقي يتبعني ( عبيد ) بما بقي لي من أرث والدي من الحيوانات متجهين إلى هضبة الخضراوية حيث تشمخ صخرة الملائكة بانتظار زوار سيأتونها من السماء.